محمود محمود الغراب
39
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
الصورة ، إلا اجتماعها على أمر محصور ينضبط لها مخافة التبديد ، والتعلق بما ليس في اليد منه شيء ، فهذا هو الداعي لما ذكرناه من تصوير من ليس بصورة ، أو من تصوير من لم يشهد له صورة وإن كان ذا صورة ، وفعل الحب في هذه الصورة أن يعظّم شخصها ، حتى يضيق محل الخيال عنها فيما يخيل إليه ، فتثمر تلك العظمة والكبر أحوالا نذكرها في الحب الطبيعي ، وقد تلتبس تلك الصورة في خيال المحب ، فتلصق بصورة نفسه المخيلة له ، وإذا تقاربت الصورتان في خياله تقاربا مفرطا ، وتلتصق به لصوق الهواء بالناظر ، يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره ، ويضيع ولا ينضبط له للقرب المفرط ، فيأخذه لذلك خبال وحيرة ، حتى إذا تقوت تلك الصورة في خيال المحب ، أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحس ، مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط ، أو يتوهم أمرا ما مفزعا فيتغير له المزاج ، فتتغير صورة حسه ، كذلك هذه الصورة إذا تقوت أثرت في المحبوب ، فقيدته وصيرته أشد طلبا لها منها ، فإن النفوس قد جبلت على حب الرياسة ، والمحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب ، فالمحبوب لا يكون له رياسة إلا بوجود هذا المحب ، فيعشقه على قدر عشقه رياسته ، وإنما يتيه عليه للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب بأن المحب لا يصبر عنه ، وهو طالب إياه ، فتأخذه العزة ظاهرا ، وهو الطالب له باطنا ، ولا يرى في الوجود أحدا مثله لكونه ملكه ، كما أن من شأن الحب الطبيعي ، أن تكون الصورة التي حصلت في خيال المحب على مقدار المحل الحاصلة فيه ، بحيث لا يفضل عنها منه ما يقبل به شيئا أصلا ، وإن لم يكن كذلك فما هو صورة الحب ، وبهذا تخالف صورة الحب سائر الصور . ( ف ح 2 / 115 ) وكما سبق أن ذكرنا أن العالم كله في غاية الجمال ، فإن العالم ثلاث حضرات : عالم الغيب ، وعالم الشهادة ، وعالم الخيال ، فسبحان واضع الحكم وناصب الآيات ، ومظهر جمال الدلالات ، فمن أجملها عينا وأكملها كونا عالم الخيال ، يدرك الرائي فيه ما يكون قبل كونه وما كان ، وما هو الوقت عليه ، فهو الحضرة الجامعة ، وكل من تعشق بأمر ما ، فما تعشق به إلا بعد أن حصله في خياله ، وجعل له في وهمه مثالا ، وطبق محبوبه على مثاله ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لكان إذا فارقه من تعلق به بصره أو سمعه أو أي شيء من حواسه ، فارق التعلق به ، ونحن لا نجد الأمر كذلك ، فدل على أن المحبوب عند المحب على مثال صوّره وأنشأه في خياله ، فلزم مشاهدته ، فتضاعف وجده وتزايد حبه ، وصار ذلك المثال